محمد محمد أبو ليلة

260

القرآن الكريم من المنظور الاستشراقي

ولكن ينبغي أن يسبقها في الذهن أن لغة قريش كانت هي الأساس في تشكيل النص القرآني ، وذلك لما اختصت به من كمال وجمال ، وجلال بالمقارنة إلى غيرها ، وقد أثنى كثير من العلماء على لهجة قريش « 1 » ؛ بل ربما بالغوا في الثناء عليها لأنها كانت لغة النبي صلى اللّه عليه وسلم . فقد ورد عن عثمان أنه قال للرهط القرشيين الثلاثة الذين انتدبهم لكتابة القرآن وهم : زيد بن ثابت ، وسعيد بن العاص ، وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام ، وعبد اللّه بن الزبير . أنهم " إذا اختلفوا مع زيد بن ثابت في شئ من القرآن أن يكتبوه بلسان قريش فإنما نزل بلسانهم ففعلوا " « 2 » . ومن رواية ابن التين ندرك أن عثمان كان قد اقتصر في جمع القرآن من سائر اللغات ، على لغة قريش ، محتجا على ذلك بأنه نزل بلغتهم . وإن كان قد وسّع في قراءته بلغة غيرهم ، رفعا للحرج والمشقة في ابتداء الأمر فرأى أن الحاجة إلى ذلك قد انتهت ، فاقتصر على لغة واحدة هي لغة قريش " « 3 » . ووردت روايات أخرى فيها أقوال لعثمان ، تقضى بأن القرآن نزل على وجوه لحون أو لهجات أخرى في القرآن « 4 » . وذكر أبو منصور محمد بن أحمد الأزهري ( ت : 370 ه ) في التهذيب قولا آخر مؤداه أن القرآن نزل على سبع لغات وبعضه نزل بلغة قريش ، وبعضه بلغة هذيل ، وبعضه بلغة تميم وبعضه بلغة أزد وربيعة وبعض منه بلغة هوازن وسعد بن بكر وكذلك سائر اللغات . وعزز الأزهري ذلك محتجا عليه بقول عثمان حين أمر الرهط الثلاثة بكتب المصاحف : " وما اختلفتم أنتم وزيد فاكتبوه بلغة قريش ، فإن أكثر ما نزل بلسانهم " . اختاره الأزهري وصححه البيهقي في شعب الإيمان « 5 » ولما اختلف كتاب المصحف في كلمة " تابوت " هو " التابوة " أو " التابوت " احتكموا إلى عثمان رضي الله عنه فقال : اكتبوها

--> ( 1 ) مقدمة ابن عطية على المحرر الوجيز 277 . ( 2 ) انظر السيوطي . الإتقان 1 / 169 وابن أبي داود . كتاب المصاحف ص 19 وانظر : أيضا مناقشتنا لهذه الرواية وردنا على المستشرقين في الباب الأول من رسالتنا للدكتوراه المشار إليها سابقا . ( 3 ) الإتقان 1 / 171 . ( 4 ) الزركشي . البرهان في علوم القرآن 1 / 217 . ( 5 ) المصدر نفسه 1 / 218 .